حمادة صالح لاعب أهلي غزة صدم عشاق كرة القدم في القطاع، حين شارك منشورا عبر حسابه الرسمي على موقع "فيسبوك" يوم 19 يوليو الماضي، عرض فيه حذاءه للبيع.
وكتب صالح (25 عاما) على صورتين لحذائه بكل حسرة "للأسف.. آخر ما تبقّى لي من ذكريات كرة القدم للبيع".
بيع ممتلكات المنزل
يمكن القول إن صالح كان الرياضي الوحيد الذي قرع جدار الخزان وصرخ بصوت عال معلنا أزمته المادية الخانقة، لكن الواقع أن هناك آخرين ساروا على خطاه بصمت.
لاعب كرة طائرة لأحد الأندية، اشترط عدم ذكر اسمه، تحدث عن تجربة لا تقل مرارة عن تجربة صالح، فقد وصل به ضيق الحال إلى بيع جزء من ممتلكات منزله فقط لتأمين الطحين.
وقال اللاعب "لم يأكل أولادي الأربعة خبزا لمدة 4 أيام. الطحين كان شحيحا وغاليا بشكل لم نعهده من قبل. انتظرت على أمل أن تتحسن الظروف أو تدخل المساعدات الإنسانية، لكن شيئا لم يحدث".
وأضاف "اضطررت في النهاية إلى بيع الثلاجة وجهاز التلفزيون. فلا حاجة لنا بهما حاليا خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي عن القطاع منذ بداية حرب الإبادة".
وختم اللاعب قائلا "إذا استمرت الأزمة ولم تدخل المساعدات ولم يهبط سعر الطحين في الفترة المقبلة، قد أجد نفسي مجبرا على بيع المزيد من أثاث المنزل، وقد يشمل ذلك الغسالة أو ما تبقى من الأثاث".
خرج للبحث عن طعام لأطفاله ولم يعد
في صبيحة يوم 24 يونيو 2025، توجّه نادر النجار، مدرب فريق خدمات جباليا لكرة القدم، كعادته في الأيام والأسابيع القليلة السابقة، إلى ما يسمى مركز المساعدات الإنسانية لمؤسسة غزة الأميركية في منطقة الشاكوش غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، أسوة بعشرات الآلاف من الشباب طالبي المساعدات، ممن أنهك الجوع أطفالهم وأجبرهم على السير في هذا الطريق المحفوف بالخطر والذل.
كانت تلك المرة الرابعة التي يذهب فيها النجار (38 عاما) إلى المنطقة، على أمل أن يعود كالمرات السابقة ببضعة كيلوغرامات من الطحين الشحيح في الأسواق والباهظ الثمن، إلى جانب سلع أخرى مثل المعلبات التي لا فائدة صحية ترتجى منها إلا إسكات صرخات الجوعى من أبنائه الستة (أكبرهم 10 أعوام وأصغرهم 8 أشهر) ولو لبعض الوقت. لكنه ذهب ولم يعد، اختفى تماما كأن الأرض انشقت وابتلعته.
خرج النجار من خيمته المنصوبة على أراضي المواصي غرب مدينة خان يونس، وهي المنطقة التي استقر بها منذ نزوحه عن معسكر جباليا بعد تدمير منزله ومنزل عائلته بالكامل واستشهاد والدته و3 من أخواته، فقرر البقاء فيها عكس بقية أشقائه الذين عادوا إلى مدينة غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، وكان الأمل يحدوه بالعودة من جديد وفي يده ما يسد رمق أطفاله.
جلس النجار داخل حفرة كبيرة موجودة خلف حاجز ترابي، منتظرا كغيره فتح المركز أبوابه، قبل أن يباغتهم جيش الاحتلال بإطلاق نار كثيف أوقع العديد بين شهيد وجريح في مجزرة إسرائيلية جديدة، وهذه آخر لحظة شوهد فيها النجار حيا وفق ما قاله شقيقه الأكبر محمد.
قائد منتخب فلسطين استشهد قنصا
لم يكن أحمد المفتي، قائد منتخب فلسطين للكرة الطائرة الذي شارك في العديد من البطولات العربية، يعلم أن رصاصة قناص إسرائيلي تتأهب لقتله، وهو في طريقه إلى رحلة بحث قسرية عن طعام لأطفاله، في مركز ما يسمّى "المساعدات الإنسانية" التابعة لمؤسسة غزة الأميركية، قرب محور نيتساريم، وسط قطاع غزة.
كانت تلك المرة الثالثة التي يذهب فيها أحمد (36 عاما)، الذي نزح من مخيم جباليا شمال القطاع، إلى ذلك المكان، برفقة العشرات من المدنيين الباحثين عن لقمة تسد جوعهم، في ظل حصار محكم أطبق على أنفاس سكان غزة واشتد مطلع مارس 2025. هناك، تلقّى رصاصة أصابت قلبه وأنهت حياته.
يقول أحمد ناصر المفتي، ابن أخ الشهيد وأقرب الناس إليه، وهو لاعب كرة قدم في النادي ذاته "ثابر أحمد كثيرا حتى لا يضطر للذهاب إلى مركز الموت في نتساريم، فبعد انقطاع راتبه من النادي بسبب ظروف الحرب القاسية، لجأ إلى بيع وشراء المواد التموينية على بسطة صغيرة حين كان نازحا في رفح جنوبا. وواصل العمل بعد انتقاله إلى بلدة الزوايدة وسط القطاع".
لم تتوقف آمال أحمد في حياة كريمة. عادت إليه عزيمته بعد إعلان وقف إطلاق النار في يناير 2025، فاشترى سيارة متواضعة ليعمل عليها سائقا، على أن يسدد ثمنها أقساطا شهرية مما يجنيه من الأجرة، لكن استشهاده قطع عليه حتى طريق سداد الدين.







